ابن كثير
131
البداية والنهاية
فكم موجع يبكي عليه مفجع * ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له الله مخلصا * يعدد منه كل ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعما قليل للذي صار صائر فشقت جيوبها نساؤه ، ولطمت خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزيته إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه ، وشمروا لابرازه . كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى ، ولا الحبيب المبدى . وحل أحب القوم كان بقربه * يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد أحضروه لغسله * ووجه لما فاض للقبر حافر وكفن في ثوبين واجتمعت له * مشيعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده ، قد غلب الحزن على فؤاده ، ويخشى من الجزع عليه ، وخضبت الدموع عينيه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه وا حراباه : - لعاينت من قبح المنية منظرا * يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر وربة نسوان عليه جوازع * مدامعهم فوق الخدود غوازر ثم أخرج من سعة قصره ، إلى ضيق قبره ، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن ، احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه ، وضاق ذرعا بما رآه ، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب ، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب ، ثم وقفوا ساعة عليه ، وأيسوا من النظر إليه ، وتركوه رهنا بما كسب وطلب . فولوا عليه معولين وكلهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنين بدا لها * بمدينة بادي الذراعين حاسر فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت * فلما نأى عنها الذي هو جازر عادت إلى مرعاها ، ونسيت ما في أختها دهاها ، أفبأفعال الانعام اقتدينا ؟ أم على عادتها جرينا ؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى ، واعتبر بموضعه تحت الثرى ، المدفوع إلى هول ما ترى . ثوى مفردا في لحده وتوزعت * مواريثه أولاده والأصاهر وأحنوا على أمواله يقسمونها * فلا حامد منهم عليها وشاكر فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها * ويا آمنا من أن تدور الدوائر كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة ؟ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى